الرئيسيةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 المكنية عاصمة ممالك سودانية قديمة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

ذكر
عدد المساهمات : 207
تاريخ التسجيل : 27/10/2011

مُساهمةموضوع: المكنية عاصمة ممالك سودانية قديمة   الجمعة ديسمبر 30, 2011 6:19 pm

يقول أحد الحكماء أن المكان هو المكانة. هذه المكانة لا تستطيع أن تعطيها
لك المدينة، وانما تعطيها لك دائما القرية،فالمدينة إذا اعطتك فإنما تعطيك
السلوك المظهري الخارجي، فمكانتك فيها تكون دائماً مكانة مظهرية مادية،
تنتهي بانتهائها، اما المكانية في القرية فهي مكانة اخلاقية سلوكية عملية،

لا تفرق بين الغني والفقير، المتعلم والجاهل طالما أن هذا
الفرد مستمسك باخلاق واعراف القرية، وخير وصف يمكن أن يوصف به انسان "انو
فلان ما سك وعارف حدوده" والقرية فى السودان لها تأثيرها القوي على الفرد وعلى سلوكه
المستقبلي، وحتى الذاكرة الكتابية خاصته في مجال القصة والرواية ما زالت
ذاكرة قرية وليست ذاكرة مدينة، واغلب النماذج الانسانية القوية في هذه
الاجناس الادبية حتى خارج السودان هي نماذج انسانية قروية، وخير نموذج لذلك
هو شخصية الزين في رواية عرس الزين للطيب صالح، فهو الشخصية القروية الحرة
التي تستأمنها وهي تدخل كل البيوت وتغازل كل النساء، دون أن يخاف احداً،
شخصية متجذرة في المكان،ورغم اعاقتها فهى لها مكانتها وهي محمية حتى من
الكبار في القرية ومثل هذه النماذج موجودة بكثرة فى القرية السودانية.
وهذه
القرى التي تعطي المكانة هي قرية المكنية والتي اذكرها بمناسبة صدور كتاب
يعتبر مرجعاً تاريخياً وفلكلورياً لهذه المنطقة وهو كتاب "تاريخ المكنية
وخلاوي الشيخ حامد ابو عصا" وقد اشرف على اعداده ومراجعته البرفيسور أحمد
حسن سمساعة وقام باعداد مواده الفاتح عبد الرحيم سنوسي،بابكر الامين، وحسن
عباس، وكاتب هذه السطور.
تقع قرية المكنية غرب جبل ام علي، وتابعة
لمعتمدية المتمة.يحيطها النيل عند فيضانه، فتصبح جزيرة رائعة المنظر.
وعندما ينحسر عنها تزرع كل المناطق حولها فيعطيها الاخضرار والزرع منظراً
أكثر جمالاً وروعة.. وهذا الموقع الجغرافي الهام جعل منها عاصمة لكثير من
الممالك السودانية القديمة والحضارات المتعاقبة، مثل ممالك العنج والنوبة
قديماً، ويظهر تأثير العنج واضحاً في وجود اثارهم ومقابرهم في المناطق حول
المكنية، وهم قوم يمتازون بالطول الشديد وصناعة الحلي والالات الفخارية،
وحفر الآبار العميقة في قلب الصحراء، وهي آبار يوجد الكثير منها حتى الآن..
وقد وجدنا كثيراً من اثارهم من الحلي الفضية والذهبية والفخارية ونحن صغار
"نفتش ونبحث" ولكن ماكنا نعرف قيمة هذه الآثار الا بعد أن كبرنا ووعينا،
اما تأثير الممالك النوبية وحضاراتها فيظهر في الصناعات اليدوية المختلفة
التي سادت لفترات طويلة في قرية المكنية.. وفي التاريخ الحديث فإن هذه
القرية كانت عاصمة لمملكة من ممالك السعداب برئاسة الملك مساعد، وهو قد كون
مملكة مستقلة عن العاصمة شندي، وهي مملكة كما تقول الشواهد التاريخية وكما
يقول الرواة بانها كانت مملكة مستقلة ومستقرة سياسياً واقتصادياً والعوامل
التى ساعدت على هذه القوة وهذا الاستقرار هو أن الحاكم هو من صلب عمومته
المحكومين، وقد ارتضوا به عن قناعة وثقة. وساعده في ذلك عدة اشياء من بينها
الوعي الحضاري والمكاني لمنطقة المكنية والموروث منذ مئات السنين،هذا
الوعي جعل الامراء والحكام يكونون مجالس للشورى، ومجالس للاجاويد وحل
الخلافات بين الناس وسار هذا النهج حتى اخر عهد العمد المشهورين في المنطقة
من امثال محمد على سالم وابو جديري وضبعة وبعشوم وودالبى وغيرهم، فما
كانوا يسمحوا لاهلهم أن يتقاضوا ويتنازعوا امام المحاكم والعمد حتى يحافظوا
على سمعة القبيلة واستقرارها، وساعد عامل التعليم والوعى الديني متمثلاً
في الخلاوي ومؤسسها الشيخ حامد ابو عصا والتي كانت منارة للوعي الديني
والمعرفي، وقد يستغرب الكثيرون أن هذا الشيخ كان يرسل ابناءه ليدرسوا العلم
ويستزيدوا منه حتى في مصر البعيدة في ذلك الوقت وقد كان للفقهاء ورجال
الدين والخلاوي مكانتهم في هذه المملكة مما جعل تقاسم السلطة امراً واقعاً
وساعد في الاستقرار والتطور، ومايزال في المكنية حتى الآن هناك مايسمة "حي
بني فكي" وهم أهل الفقه والدين والعلم.هذا النهج في احترام العلماء
والفقهاء هو الذي شجع حتى في العصور الحديث ابناء هذه المنطقة ليسافروا
ليتعلموا في مصر ويذهبوا الى اقصى الجنوب بعد ذلك لينشروا الاسلام ويكونوا
دعاة ومبشرين له امثال الشيخ عوض محمد أحمد سمساعة
ومما ساعد على
الاستقرار السياسي في ذلك الوقت أن السلطة السياسية واميرها مساعد قد اعطت
كل فرد واسرة في المنطقة أهميته ومكانته، وجعلت من كل رجل جندياً مدافعاً
عن المملكة وشخصاً منتجاً، فحتى وقت قريب تجد في أغلب المنازل في المكنية
سيوفاً وحراباً قديمة متوارثة وادوات زراعية عتيقة وقوية، وماتزال تعمل حتى
الآن.
تلك المكانة السياسية والجغرافية لقرية المكنية جعلت سوقها "سوق
الثلاثاء"من أشهر الأسواق القروية القديمة في السودان وشمال افريقيا كلها
فهو من اقرب الأسواق لقرى الجنوب المغاربي كله من ليبيا وحتى مورتانيا وهو
سوق تجتمع فيه البضائع ومنتجات كل القرى الزراعية البعيدة شرقاً وغرباً،
وتجد فيه ما لاتجده في المدن والحضر، هذا الوجود والاستقرار والقدم الحضاري
جعل هذه القرية منطقة تجارية قديمة فهي من اقدم القرى في المنطقة كلها
التي عرفت تجارة الجملة ومخازن المحاصيل الضخمة وما يسمى بالمطامير وفي
احيائها القديمة تجد الحوانيت لبيع السلع الراقية والمستوردة" ونحن اطفالاً
صغار عرفنا ما عرفته المدن من الملبس والمأكل، بل تجد محلات لبيع العطارة
والأعشاب والحلاقة والخياطة.
وثقافياً فإن المكنية تأثرت بهذه المكانة
التجارية والسياسية والدينية القديمة، فلهجة أهلها واضحة وفصيحة، لاختلاطهم
قديماً وحديثاً وحب ابنائهم للسفر والترحال هذه اللهجة التي قويت بتأثير
الخلاوي وقرأءة القرآن وحفظه، وتأثير الفروسية على اهلها قديماً، حيث ادب
المناحة والوصف والمدح لكل من يأتي بفعل فروسي او اخلاقي عندما يحتاج له
الأهل و الأقارب، إنه كتاب يعتبر سفراً تاريخياً ضخماً يستحق القراءة
ويستحق عنه الكتابة مطولاً.
بقلم :عز الدين ميرغني
صحيفة الرائد 21 _7 _2009
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://sudan.homegoo.com
 
المكنية عاصمة ممالك سودانية قديمة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
بيت التوثيق السوداني :: القسم العام :: الحوار العام-
انتقل الى: